يشكل تراث أي أمة من الأمم بمكوناته المادية وغير المادية سجلاً يسطر تاريخها وأساليب عيشها بكافة التفاصيل ليشكل هويتها ودليل وجودها. ويعد الفلكلور الشعبي الفلسطيني مرآة تعكس حياة الشعب الفلسطيني المادية والروحية، التي تداولتها الأجيال وتوارثتها جيلًا عن جيل.
ويعج الفلكلور الشعبي الفلسطيني بكم هائل من الإبداعات الشعرية والحرفية وأساليب التعبير المختلفة، وأساليب العيش واللباس وألوان الدبكات والرقصات والعادات والتقاليد، ليعطي عبر هذا المخزون العريق الصورة الواضحة التي تقف سدًا منيعًا في وجه الغزو الإحلالي الذي يحاول طمس تاريخ الشعب الفلسطيني، وسرقة كل الأدلة التاريخية التي تدل على الحق الفلسطيني لينسبها إلى قلة منبوذة غازية ململمة من كافة أنحاء العالم، ليخلق لها تاريخًا مزيفًا يستطيع بموجبه زراعتها في أرض غريبة عنها، ليجعل لها ارتباطًا بيئيًا تستطيع الاعتماد عليه للانتشار في كافة أوصال الطن العربي والإسلامي.
فالفلكلور الفلسطيني يشكل أحد دعائم الثقافة الوطنية، فنحن في فلسطين معنيون أكثر من غيرنا بالحفاظ عليه وتدوينه ودراسته وتحليله ونشره؛ لأن التجزئة والعولمة والتغريب تعد عواصف تلعب دوراً نشيطاً في طمس الشخصية الوطنية الفلسطينية ومحوها.
كما تنبع الخصوصية الفلسطينية في الحفاظ على التراث من ما تتعرض له فلسطين من تهويد طال كل جوانب الحياة؛ فتعرضت أسماء الأماكن والشوارع للتحريف، واللغة للتغيير، والزي الشعبي للسرقة، والأماكن الدينية التاريخية للهدم والتخريب... وغير ذلك الكثير.
وتعد الأغنية الشعبية أحد عناصر التراث الفلسطيني التي يمكن لكل متمعن أن يضع يده من خلالها على مواطن الألم ومحطات العذاب التي مر بها الشعب الفلسطيني، كما يمكن بالوقوف على محتواها معرفة أساليب الحياة والعادات والتقاليد والأدوات التي استخدمها هذا الشعب للتغلب على ظروف الحياة وقهر القهر.
وتصور الأغنية الشعبية القيم الفلسطينية التي آمن بها الشعب الفلسطيني، وما ينكره ويستهجنه من تصرفات ممجوجة غير مقبولة.
وتتعدد أشكال الأغية الشعبية بتعدد المناسبات والمواقف التي نظمت من أجلها، فنجد أغاني الحماسة، ونجد أغاني الجهاد، وأغاني الحصاد، وأغاني الختان، وأغاني الرثاء... وغيرها مما تعج به الحياة من مواقف.
إن التعرف على تراثنا وثقافتنا والتشبث بكل لوحة وكل رسم وكل موال وأغنية ولحن يربطنا بالأرض التي اقتلعنا منها لهو أمر في غاية الأهمية.
الأغنية الشعبية:
تعريفها وخصائصها:
تتعدد ألوان التعبير الفنية التي يعبر بها المجتمع الشعبي عن نفسه وعن أفكاره وآماله ومعتقداته بتعدد الوظائف التي يؤديها كل نوع منها.
والأغنية الشعبية أحدى الفروع الرئيسة في عائلة المأثورات الشعبية، مثلها في ذلك مثل الحكاية الشعبية والمثل الشعبي والألغاز، وان كانت تختلف عنها اختلافاً جوهرياً تتلخص في أنها تتكون نتيجة لتزاوج النص الشعري مع اللحن الموسيقي اللذين ينبعان من المجتمع الشعبي نفسه في أغلب الأحيان؛ ولذلك فقد كانت هناك محاولات عديدة لتعريف الأغنية الشعبية ورسم حدودها واستغرقت وقتاً ليس بالقصير، ولا زالت هذه التعريفات تتعدد يوماً بعد يوم بتعدد أنماط الحياة وظهور أشكال جديدة من التعبير الفني الشعبي.
ويعّد مصطلح الأغنية الشعبية أحد المصطلحات الحديثة التي دخلت إلى لغتنا العربية كترجمة المصطلحين الألماني VOLKLIED والإنجليزي FOLKSONG بعد أن استقر مفهومها لدى الدارسين الأوروبين. ولقد وضع الدكتور أحمد مرسي بعض خصائص الأغنية الشعبية بحيث تتميز عن غيرها من الأغاني الشائعة وهي:
(1) أن الأغنية الشعبية يجب أن تكون شائعة؛ ولكننا يجب أن نحترز، فليست كل أغنيه شائعة شعبية بالضرورة.
(2) أن الأغنية الشعبية تنتقل عن طريقة الرواية الشفوية؛ ما أوجد نصوصاً عديدة للأغنية ذاتها.
(3) أن الأغنية الشعبية تبلغ أوج ازدهارها في المجتمعات الشعبية؛ حيث لا يوجد لها نص مدون سواء كان هذا النص شعرياً أم موسيقياً.
(4) أن الأغنية الشعبية أكثر محافظة على الأسلوب الموسيقي الذي تستخدمه بالقياس إلى غيرها من الأغاني.
(5) أن سمة المرونة التي تتسم بها الأغنية الشعبية تساعدها على الديمومة، فتظل محفورة في ذاكرة الناس وتتعدل باستمرار لمواجهة الأنماط الجديدة في الحياة.
(6) أن أسماء الذين ألفوا الأغاني مجهولة تماماً عدا المحترفين الذين يكتب لهم مؤلفون أغاني ومواويل خاصة بهم.
(7) أنه يمكن إضفاء صفة الشعبية على الأغاني التي أبدعها فرد من الأفراد ثم ذابت في التراث الشعبي الشفاهي للمجتمع (انخراط الأغنية في التراث الشعبي).
(8) أنه على الرغم من الانتقال الشفاهي والجهل بالمؤلف اللذين تتصف بهما الأغنية الشعبية عامة إلا أنه لا يمكن الجزم بعدم وجود مؤلف معين أو نص معين لبعض الأغاني الشعبية.
أهم العوامل التي تؤثر في الأغنية الشعبية:
العامل الأول: هو ما يمكن أن نسميه بالاستمرار أو الدوام الذي يربط الماضي بالحاضر الذي أكسب الأغنية الشعبية مرونة عن طريق الرواية الشفهية.
العامل الثاني: التغير الذي يلحق نص الأغنية أثناء تداولها في المجتمع الشعبي، ويمكن أن يكون مصدر هذا التغيير ما يأتي:
1- نتيجة الانتقال الشفاهي من فم إلى فم، دون الاعتماد على نص مطبوع مدون؛ ومن ثم لا تثبت الأغنية على نص معين واحد لا يتغير؛ وإنما تكون دائماً في حالة تغير.
2- نتيجة صياغة المواد الموجودة في البيئة من قبل، والتي يمكن أن تكون قد بليت وفقدت حدتها بالنسبة للمجتمع؛ فينشأ الإحساس بضرورة التغيير لكي يحل التعبير الجديد محل القديم مؤدياً وظائف جديدة يحتاجها المجتمع.
العامل الثالث: عندما ينفصل جزء أو أكثر من أغنية ليدخل في نسيج أغنية أخرى.
العامل الرابع: ما يفعله بعض مؤلفي وملحني الأغاني المعروفين الآن من تحوير داخل الإطار التقليدي للنصوص والألحان الشعبية؛ ما يؤثر سلباً في استمرارية الأغنية الشعبية.
والأغنية الشعبية كما يعرفها الدكتور أحمد مرسي هي: "الأغنية المرددة التي تستوعبها حافظة جماعة تتناقل آدابها شفاهاً، وتصدر في تحقيق وجودها عن وجدان شعبي". وهي تتعدد بتعدد مناسباتها ويختلف شكلها باختلاف الإطار الذي تعيش فيه؛ فالأغنية الدينية تختلف عن أغنية العمل، وهما مختلفان عن أغاني الأطفال، وهكذا. أنواع الأغاني الشعبية:
1- الموال: لقد اتفق الدارسون أن الموال فن غنائي شعبي شائع في معظم البلاد العربية. وللموال أنواع منها:
أ- الموال البغدادي: ويتكون من أربعة أبيات متحدة القافية.
ب- الموال الأعرج: وهو في العادة يتكون من خمسة أبيات متحدة القافية ما عدا البيت الرابع، فيكون على قافية مخالفة.
ج– الموال النعماني: ويتكون من سبعة أبيات، وبعض الفنانين الشعبيين يسمونه (السبعاوي أو السباعي) نسبة إلى عدد أبياته. ويتميز هذا النوع من المواويل بأن الأبيات: الأول والثاني والثالث والسابع متفقة في قافيتها؛ أما الأبيات: الرابع والخامس والسادس فمن قافية أخرى مغايرة للأبيات السابقة...